السيد محمد الموسوي البجنوردي
17
مصادر التشريع عند الإمامية والسنة
يرتفع - حقيقة - مجىء الناسخ وينتهي أمده ، ولا نعني من هذا الأمران الحكم من أول حدوثه كان مقيدا كي يشكل عليه بأن النسخ يكون لغوا ، بل الحق في المقام - كما تقدم آنفا - ان جعل الاحكام يكون على نحو القضية الحقيقة ، وهو ورود الحكم على الموضوع المفروض الوجود ، من دون أن يخص الاشخاص والخصوصيات الفردية للطبيعة المأمور بها ، وأيضا ثبت في علم الكلام أن الأحكام الشرعية طرا تتبع الملاكات من المصالح والمفاسد الموجودة في متعلقاتها فالمصالح والمفاسد بمنزلة علل الجعل ، ولا شك في أن الزمان يكون دخيلا في صيرورة الحكم ذا مصلحة ملزمة مثلا ، ففي زمان آخر إذا انتفت المصلحة الملزمة لا يعقل أن يكون الحكم الوجوبي باقيا ، بل لا بد وأن يعلن الشارع المقدس به انتهاء أمد هذا الحكم ، فالمصلحة الملزمة مثلا إذا انتفت وتبدلت إلى المفسدة الملزمة الحكم الوجوبي ينسخ ويتبدل إلى الحكم التحريمي وهكذا ، يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب » . « 1 » فعلم الباري تعالى بالحوادث يكون حضوريا « 2 » فمن أول الأمر يعلم أن امد هذا الحكم متى ينتهي ، بمعنى أن المصلحة الملزمة متى تتبدل إلى المفسدة الملزمة ، وهذا المعنى لا يستلزم ان يكون الجعل التشريعي من أول الأمر مقيدا ، بل الجعل يكون على نحو القضية الحقيقية ، وانما انتفاء الحكم يكون بانتفاء الموضوع ، وعلى ضوء هذا البيان لا يبقي مجال لأن يقال : أن كان الحكم مجعولا على نحو المقيد فما فائدة النسخ ؟ وان كان الحكم مجعولا على نحو الدوام ثم ينسخ يوجب نسبة الجهل إلى الباري تعالى وهو محال .
--> ( 1 ) سورة رعد ، آية 39 . ( 2 ) فالعلم الحضوري عبارة عن انكشاف الشئ بتمام ذاته وهويته لدى العالم ، وهو لبس مقسما للتصور والتصديق ، فالعلم الحضوري منحصر في علم المجرد بذاته ، لأنه حقيقة نورية فلا تغيب ذاته عن ذاته .